القرطبي
291
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الحادية عشرة - ذكر ابن خويزمنداد أنها تملك ، ونزع إلى ذلك بأنه يمكن أن يزال بها الغصص ، ويطفأ بها حريق ، وهذا نقل لا يعرف لمالك ، بل يخرج هذا على قول من يرى أنها طاهرة . ولو جاز ملكها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها . وأيضا فإن الملك نوع نفع وقد بطل بإراقتها . والحمد لله . الثانية عشرة - هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارا أو غير قمار ، لان الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر " الآية . ثم قال : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء " الآية . فكل لهو دعا قليله إلى كثير ، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه ، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر ، وأوجب أن يكون حراما مثله . فإن قيل : إن شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنرد والشطرنج هذا المعنى ، قيل له : قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم ، ووصفهما جميعا بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس . ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة ، ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر ، ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما اشتركا فيه من المعاني . وأيضا فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنرد والشطرنج لا يسكر ثم كان حراما مثل الكثير ، فلا ينكر أن يكون اللعب بالنرد والشطرنج حراما مثل الخمر وإن كان لا يسكر . وأيضا فإن ابتداء اللعب يورث الغفلة ، فتقوم تلك الغفلة المستولية على القلب مكان السكر ( 1 ) ، فإن كانت الخمر إنما حرمت لأنها تسكر فتصد بالاسكار عن الصلاة ، فليحرم اللعب بالنرد والشطرنج لأنه يغفل ويلهي فيصد بذلك عن الصلاة . والله أعلم . الثالثة عشرة - مهدي الراوية ( 2 ) يدل على أنه كان لم يبلغه الناسخ ، وكان متمسكا بالإباحة المتقدمة ، فكان ذلك دليلا على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ - كما يقوله بعض الأصوليين - بل ببلوغه كما دل عليه هذا الحديث ، وهو الصحيح ، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه ،
--> ( 1 ) في ج وع وك : مقام . ( 2 ) كذا في ج وع وى وا وه ووفي ك : هذه الرواية تدل . الخ . ولعل أصل العبارة : حديث مهدي الراوية . . . الخ .